قصة: صاحب المغارة

صَــاحِـبُ المَـــــغـَــارة

 في يَومٍ تَـلبَّدَتْ فيهِ الغُيومُ الكثيفةُ في السَّماءِ, وغابَ ضُوءُ الشَّمسِ, وإشْتَدَّتْ درجةُ البُرودةِ, وتكاثفَ فيهِ رَذَاذُ المطرِ, وإبتلـَّتْ طـُرُقُ الغابةِ؛ جاءَتْ مجموعةٌ مِن الحيواناتِ المختلفةِ تـُسْرِعُ الخـُطـَى مِن وادٍ بَعيدٍ. وقد تـَلطــَّخـَتْ أجسامُها بالطينِ والترابِ والماءِ. وظـَهَرَ عليها التـَعَبُ والاهتمامُ لحَمْلِ أمْرٍ عظيمٍ لمَلِكِ الغابةِ؛ الأسد؟! فأعَدَّ لهُم مَلِكُ الغابةِ مجلسًا واسعًا وبَجَّلَ لهُم الاحترامَ والاهتمامَ, وقـَدَّمَ لهُم الأكلَ والشُرْبَ مِمَّا يشتهونَ. ثمَّ إنتظموا في صُفوفٍ أمامَ عَرْشِهِ المُحاط بخَدمِهِ وأعوانِهِ, ليبلغُوهُ أمرًا عظيمًا!؟ فأخبروا الأسدَ:

قالَ الثورُ: يا مَلِكَ الغابة, سَتـَهُبُّ على الوادي ومَغَارتِكَ والغابةِ عَواصِفٌ شَديدةٌ مِنْ جِهَةِ الشـَّمَالِ؟!

قالَ النَّمرُ: يا مَلِكَ الغابةِ, تـَدَبَّرْ أمْرَك خَوفاً على حَيَاتِكَ.

قالَ الثَّعلبُ: يا مَلِكَ الغابةِ إقبَلْ نصيحتنا.

نَظرَ الأسدُ متثاقِلاً يُمـْنـَةً ويُسْرَة, وقالَ في كـِبْرياءٍ:

- لمْ تأْتوا بجديدٍ! نـَحنُ نـَعرفُ هذه البلاد ولدينا مَغارة لها بابانِ نـَحتمي في داخلها.

 

ثمَّ أخبرتهُ الحيواناتُ:

قالَ الثَورُ: العواصفُ التي سَتـَهُبُّ على الوادي, لمْ تـَهُبْ مِثلها مِنْ قـَبْل؟!

قالَ النَّمرُ: وفي وادينا لا توجَدْ مغارة, ونعيشُ في أماكِنَ مفتوحةٍ عُرْضَة للشمسِ والمطرِ والعواصفِ والحيواناتِ المفترسةِ!

قالَ الثَّعلبُ: وجِئنا جميعًا لتُنقِذنا وتـَحمينا داخلَ مَغارتِكَ الكبيرة الواسعة.

 

شكرَ الأسدُ مجموعةَ الحيواناتِ على نصائحِهِم, وطمأنهُم على حياتِهِم وسلامتِهِم. وأدخلهُم جميعًا في مغارتِهِ الكبيرة. وحَصَّنَ الأسدُ نفسهُ ومِنْ مَعَهُ مِنْ جِهَةِ الشَّمَال التي تَوَقعوا أنْ تأْتي منها العواصف. وخـَيَّمَ السكونُ على الغابةِ والوادي, وإخْتبأَ الجميعُ في خَوفٍ شديدٍ!؟ وأظلمَ الفضاءُ, وتطايَرَتْ الأتربةُ, وبدأتْ الرِّياحُ الباردةُ تـَهُبُّ شَيْئاً فشَيْئاً, حتىَّ إشْتَدَّتْ وتسارعتْ, وتعالتْ صَيحاتُها المُخيفة، وسُمِعَ تكسُّر أغصانِ الأشجارِ. وإشْـتَدَّ نـُزول الأمطارِ, وهَبَّتْ عواصفٌ شديدةٌ فـَعَبـَثـَتْ بالسُهُولِ، وأغْرَقتْ مياهُ الأمطارِ الغابة والحقول. وبَعْدَ ساعاتٍ طويلةٍ مِن الصَّبْرِ والمُعاناةِ والخَوفِ داخِل المغارةِ المظلمةِ, نـَجَا الأسدُ ومَنْ مَعَهُ مِنْ العواصفِ القاتلةِ. وإنـْـتهتْ العواصفُ, فخـَرَجتْ الحيواناتُ, فرأوا الغابةَ والواديَ وقد إنـْقلبتا رَأْسًا على عَقِبٍ, ودَمَّرتْ العواصفُ الأشجارَ والبيوتَ. ثمَّ أكـَلَ الأسدُ وشَرِبَ حتـَّى شَبِعَ وتـَمَدَّدَ أمامَ عَرينهِ, وجَدَّدَ شُكرهُ للحيواناتِ واهتمامَهُمْ بسلامتِهِ. واعتنى بهِمْ وقرَّبهُمْ مِنهُ، واتخذَهُمْ أصدقاء له, وَوَفـَّرَ لهُم حِمايتهُ ورِعايتهُ, ليَعيشوا بسلامٍ في مغارتِهِ.

 

وبَعْدَ عِدّةَ أيَّامٍ مِنْ هُطولِ الأمطارِ والبَرْدِ والرِّياحِ, أتـَتْ مجموعةٌ ثانيةٌ مِنْ حيواناتِ الغابةِ القريبة مِنْ مغارةِ الأسدِ. وأخبروهُ:

قالَ الوَعْلُ: يا مَلِكَ الغابةِ, سَتـَهُبُّ عواصفٌ شديدةٌ مِنْ جَهَةِ الشَّمَالِ؟!

قالَ الغزالُ: تـَفـَضَّلْ علينا وأنْقِذنا وأحْمنا مِنْ العواصفِ داخل مغارتِكَ.

 

ولكنَّ الأسدَ مَنَعَ الحيوانات أنْ تدخـُلَ المغارةَ لأنَّ فيها كثيرٌ مِنْ الحيواناتِ بَعْدَ أنْ هَدَمَتْ العواصفُ بيوتَهُم وأصبحتْ المغارةُ ضيِّقةً.

 

قالَ الأسدُ متكبِّرًا لنْ أُدْخِلـْكـُمْ في مغارتي, فأنا لا أَعرفـُكُمْ, ولا أَهْتَمْ بِكُم. العواصفُ سَتـَهُبُّ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ, إذنْ سَنـَسِدُّ البابَ الشَّمَاليّ للمغارةِ, إحْتموا مِنْ العواصفِ خارجَ المغارةِ مِنْ الجِهةِ المقابلةِ ولنْ يصيبكمْ شيء.

 

وثارتْ العواصفُ الشديدةُ مَرّةً ثانيةً, وهَطلتْ الأمطارُ الغزيرةُ وأصابتْ وقـَتـَلتْ عددًا كبيرًا مِنْ الحيواناتِ التي كانت حَوْلَ المغارةِ. فعرَفـَتْ الحيواناتُ أنَّ الأسدَ كذَبَ عليهِم وظلمَهُم, فأُصيبوا وقـُتِلَ عددٌ كبيرٌ منهُم. وبَعْدَ هدوءِ العواصفِ لوقتٍ قصير ٍ, جاءتْ الحيواناتُ المصابة وقد تـَلطـَّخَتْ بالطينِ والدماءِ أمامَ المغارةِ يستعطفونَ الأسدَ ليُدخِلهُم المغارة!:

- يا مَلِكَ الغابةِ, نـَحْنُ خَدَمُكَ ونـَعيشُ في مَمْلكتِكَ, أعْطِفْ علينا وأحْمنا في مغارتِكَ مِنْ العواصفِ؟!

قال الأسدُ مُتـَجَبِّرًا: لنْ أُدْخِلكـُمْ في مَغارتي, سأرْسِلُ أصدقائي لعلاجِ المُصابينَ مِنكـُم.

 

ولكنّ أصدقاءَ الأسدِ سرعانَ ما أخبروهُ بأحوالِ تَقلـُّباتِ الجَوِّ:

-   يا مَلِكَ الغابةِ, العواصفُ سَتـَهُبُّ مِنْ جديدٍ مِنْ جِهَةِ الشَّمَالِ التي تَجمَّعتْ فيها الحيوانات المُصابة.

 

فأَغلقَ الأسدُ مُسْرعًا البابَ الشَّمَاليَّ للمغارةِ وحَصَّنَ نَفسَهُ وأصدقاءَهُ داخل المغارةِ, وتـَرَكَ بَقِيـَّة الحيوانات خارجَها ليُلاقوا مَصيرهُم المَحْتوم؛ إمَّا السَلامَةَ أو المَوْتَ. ولكنَّ العواصِفَ غَيَّرتْ إتجاهَها!؟ وجاءتْ مِنْ الجِهَةِ التي لمْ يُحَصِّنْ مَلِك المغارةِ نَفْسه وأصدقاءه, فـَقـَـتـَـلتْ العواصفُ جميعَ مَنْ كان داخلَ المغارةِ؟! وكانت المغارةُ كالجبلِ, فـَصَدَّتْ العواصفَ عنْ بَقيَّةِ الحيواناتِ المصابةِ في الجِهَةِ المقابلةِ وسَلِموا جميعًا مِن المَوتِ.

جواد احمد المرهون